العيني
55
عمدة القاري
وقال ابن عُيَيْنَة : لَمْ يَعْمَلُوها : لا بُدَّ مِنْ أنْ يَعْمَلُوها أي : قال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى : * ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) * ( المؤمنون : 36 ) حاصله : كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد من أن يعملوها قبل موتهم ليحق عليهم كلمة العذاب . 6446 حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا أبُو بَكْرٍ حدثنا أبُو حَصِينٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ( لَيْسَ الغِنَى عنْ كَثْرَةِ العَرِضَ ولاكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأما وجه المناسبة بين الحديث والآية هو أن خيرية المال ليست لذاته بل بحسب ما يتعلق به وإن كان يسمى خيراً ، وكذلك ليس صاحب المال الكثير غنياً لذاته بل بحسب تصرفه فيه ، فإن كان غنياً في نفسه لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من وجوه البر والقربات ، وإن كان في نفسه فقيراً أمسكه وامتنع من بذله فيما أمر به خشية من نفاده ، فهو في الحقيقة فقير صورة ومعنى ، وإن كان المال تحت يده لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة بل ربما كان وبالاً عليه . وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التيمي اليربوعي الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضاً ، وأبو بكر هو ابن عياش بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة القارئ المشهور الكوفي ، وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي ، وأبو صالح ذكوان الزيات . والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عن أحمد بن بديل بن قريش اليامي الكوفي . قوله : ( من كثرة العرض ) بفتحتين حطام الدنيا وبالسكون المتاع . وقال أبو عبيد : العروض الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخله كيل ولا وزن ، وقال ابن فارس : العرض بالسكون كل ما كان من المال غير نقدوجمعه عروض ، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظ في الدنيا قال تعالى : * ( تريدون عرض الدنيا ) * ( الأنفال : 76 ) وقال : * ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) * ( الأعراف : 961 ) حاصل معنى الحديث : ليس الغنى الحقيقي المعتبر من كثرة المال ، بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا ، ولهذا ترى كثيراً من المتمولين ، فقير النفس مجتهداً في الزيادة ، فهو لشدة شرهه وشدة حرصه على جمعه كأنه فقير ، وأما غنى النفس فهو من باب الرضا بقضاء الله لعلمه أن ما عند الله لا ينفد . 61 ( ( بابُ فَضْلِ الفَقِرْ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل الفقر ، والمراد به الفقر الذي صاحبه راضٍ بما قسم الله له وصابر على ذلك ولا يصدر من قوله وفعله ما يسخط الله تعالى ، ولا يترك التكسب ويشتغل بالسؤال الذي فيه ذلة ومنة وأما فقراء هذا الزمان فإن أكثرهم غير موصوف بهذه الصفات ، وفقر هؤلاء هو الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الخلاف في أن الفقر الصابر أفضل أو الغني الشاكر ؟ فهو مشهور قد تكلمت فيه جماعة كثيرون . 7446 حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال : حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أبيه عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنّهُ قال : مَرَّ رَجُلٌ عَلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم فقال لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ : ( ما رأيُكَ في هاذَا ؟ ) فقال : رجُلٌ منْ أشْرَافِ النَّاسِ ، هاذَا والله حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ قال : فَسَكَت رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فقال لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( ما رَأيُكَ في هَذَا ؟ ) فقال : يا رسولَ الله ! هَذا رجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ، هاذَا حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشْفَعَ وإنْ قال أنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( هاذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِنْ مِثْلِ هاذا ) . ( انظر الحديث 1905 )